- 1 -
لم أكن أتصور يوما أن أجد نفسي غارقا في مستنقع رهيب من الحيرة والتشتت كما أنا الآن ..
فمفترض أن ثلاثة مواضيع جاهزة الآن تماما للنشر ، بالإضافة إلى عشرات من الأفكار تعربد بداخل رأسي في تنافس محموم تريد التحرر من سجنها وإقامتها الجبرية في تلافيف مخي .. إلا أن شيئا ما يحول بيني وبين أن أفعل ذلك ...
شئٌ يمنعني أن أستجيب لنداء وُلد ونما ومات بداخلي ...
وكيف أفعل !!!
كيف أستجيب له ؟؟ فأكتب فيما عدا ما أراه يسحق الأوطان ، ويحارب الدين ، ويهدم القيم والأعراف ...
كلماتي تلك التي قرأتموها تحت العنوان الذي اختاره لي صديقي (مادز) "صمتٌ غبي لدرجة الحماقة" ... هذه الكلمات – وإن كنتُ من كتبها – خَلّفت ورائها جرحا غائرا ، لستُ أرجو له شفاءً أبدا . إلا بعد أن يقضي الله أمرا كان مفعولا..
وفي الحقيقة أني لست متشائما – كما قد يتراءى للبعض – كما أن حديثي هذا لم يصدر ليأس تملكني أو قنوط أصابني. فالأمور في الوطن العربي – وكما أراها – تتفاقم بصورة مخيفة يصبح الحديث معها عن التشاؤم واليأس أمرا طريفا مسليا ، بل وجالبا للراحة والطمأنينة .
وهنا .... فمصريتي التي أفتخر بحملها تُحتّم عليّ أن أُوليَ الأحداث التي تغلي بها الساحة المصرية محور اهتمامي في هذا الموضوع . وبالتالي .... فإن حكما ببقاء أفكار ومقالات أخرى – جاهزة يقينا – في منفاها قد صدر ...
ويعلم الله وحده متى سيُرفع هذا الحكم عنها ؟؟
(إن حب مصر ليس كحب سائر الأوطان . إنما هو نوع من العشق الخفي ، العسير عن التفسير)
هذه الجملة قالها الراحل (رفعت الجمال) ، أحد الأبطال المجهولين الذين تُمثِل أسمائهم – وإلى الآن – غصة مؤلمة في حلقوم كثير من الإسرائيليين .
هذه الجملة بالذات تذكرتها وأنا بصدد التخلي عن كل شئ وأي شئ في سبيل معشوقتي وحبي الأول .... مصر .
ولهذا ، فليس بغريب أن أبدأ حديثي عن الحدث الأهم والأكبر هنا في مصر . (الدستور ، وتعديلاته) ... ليس بشرح واستجلاء للحقائق ، بل بوجهة نظر نقدية دفعني إليها – وعلى الرغم من أني قد أوليتُ الموضوع برمته ظهري – مقال للكاتب (محمد علي إبراهيم) ، رئيس تحرير جريدة الجمهورية المصرية .
هذا المقال حمل العنوان : (مقارنة بين التعديلات الدستورية المصرية والفرنسية) ، وقارن فيه الكاتب بين مجموعة من النقاط المتمثلة في التعديلات التي أدخلها الرئيس حسني مبارك في الدستور المصري وبين تلك التي أدخلها الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول ، فقال :
(ديجول فرضها بالقوة .. وأجرى استفتاءاً فوريا .. وهزأ بالمعارضة !! ومبارك طرحها للنقاش .. تقبل النقد القاسي .. احترم الأحزاب) .
وحتى لا أضيع الوقت بكتابة المقال وسرد ما فيه ، فعلى من يريد الاستزادة الرجوع إلى جريدة الجمهورية الصادرة في يوم الأحد 4 فبراير 2007 .
و ما يهمني هنا هو أن ألفت نظر السيد رئيس التحرير إلى أمر غاية في الأهمية ، هو أنه من الخطأ بكثير أن نقارن بيننا وبين فرنسا خصوصا في مثل هذه الأمور .
فالمجتمع الفرنسي مستنفر على الدوام ، يُشهر الغضب ولا يختزنه . وشارل ديجول هذا الذي حرر فرنسا من الاحتلال النازي ، والذي قال عنه كاتبنا سالف الذكر إنه فرض التعديلات الدستورية بالقوة هو نفسه ديجول الذي أطاح به الشعب – ولا أحد غير الشعب – سنة 1969م ، بعد أن دفعه إلى تقديم استقالته بعد رفض هذه التعديلات .
وشارل ديجول هذا هو نفسه الذي هزّت ثورة الطلبة الشهيرة أركان نظامه سنة 1968م .
ولهذا فقد أخطأ الأستاذ (محمد علي إبراهيم) رئيس تحرير الجمهورية ، عندما أتى بفرنسا ليقارن بينها وبين مصر . فلا أساس لهذه المقارنة على الإطلاق . بل إنه من المُجحِف أن نضع فرنسا في الميزان قبالتنا . هذا لأن المجتمع في فرنسا على درجة عالية من الثقة والعافية والتي توافرت بالتراكم في مناخ من الحرية لا سقف له ...
بل إن من أهم الطباع التي يتميز بها هذا المجتمع هي الثورة . فهو مجتمع الإضرابات بامتياز كما قال عنه عقلُ فرنسا الكبير (إيميل زولاَ) .
ويكفي أن الأحزاب هناك قوية تستطيع أن توفر أكثر من بديل كفء للرئيس ، بدلا من تلك المهازل التي شاهدناها أثناء انتخابات الرئاسة المصرية السابقة ... كـ : (الطربوش – السمك – الخ ......) .
ولقد قرأت مرة أن الرئيس الفرنسي الحالي (جاك شيراك) يفكر في خوض الانتخابات للمرة الثالثة . وهذا من حقه بالطبع ، ولن يعترض أحد طالما أن الشعب في فرنسا يستطيع أن يتحكم في اعتلاءه كرسي الرئاسة من عدمه ...
فمن حق شيراك أن يفكر في ذلك .. ومن حق الشعب أن يقول كلمته ....
أماَ كان من الأجدى أن يذكر كاتبنا مثلا كيف علينا أن نعيد النظر في علاقة السلطة بالمجتمع ، هذا لأنها – وكما يراها المفكر الكبير فهمي هويدي – تشبه في الوزن والحجم علاقة النملة بالفيل .. فكيف نشرع – والحديث لفهمي هويدي - في إصلاح الدستور بتغيير بعض المواد أو إضافة أخرى قبل تهيئة البيئة السياسية من خلال إصلاح سياسي جاد ؟؟ فنحن إن غيرنا القوانين قبل تحسين البيئة فإننا بذلك كمن وضع العربة أمام الحصان وطلبنا منه التحرك !!!!
أما كان من الأجدى أن يدعو كاتبنا إلى تهيئة المناخ المناسب ، والبيئة الملائمة لاستقبال مثل هذه التعديلات . وذلك بإطلاق الحريات العامة ، وإلغاء قانون الطوارئ ، وتأكيد استقلال القضاء ، وضمان نزاهة الانتخابات ، وغيرها من الشروط اللازمة لاستعادة عافية المجتمع السياسية . وهي الشروط التي ستمكنه من التعامل مع السلطة كطرف محاور ، وليس كمجرد طرف تابع معدوم الإرادة ......
- 2 -
(روح شاكيد) ....
اسم لفيلم وثائقي إسرائيلي ، كشف عن قيام وحدة شاكيد بقتل 250 جنديا مصريا في نهاية حرب 67 ، بالرغم من أنهم كانوا بلا أسلحة أو حتى ذخيرة ...
وأعتقد أن كثيرين غيري قد تناولوا هذا الموضوع بكثير من التحقيق والتحليل . ولكني وفي هذه السطور أريد أن أوضح أن هذه الوحدة قد أنشأها الخنزير الأكبر (آريل شارون) سنة 1954م تحت اسم الوحدة 101 ، ولقد اشتهرت بارتكاب العديد من المذابح ، منها مجزرتي (قبية ، نحالين) . وعندما تسلم قيادتها الخنزير (بنيامين بن أليعازر) وزير الدفاع السابق ، ووزير البنية التحتية الحالي ، قام ذلك الوغد بارتكاب جرائم حرب ضد الجنود المصريين في حربي 56 ، 67م .
وإلى هنا ربما لا يوجد أي جديد ، فنحن نعلم علم اليقين ما فعله أحفاد القردة بأسرانا في هذه الحرب . أما الجديد فعلا فهو إذاعة هذه المشاهد وفي هذا التوقيت بالذات .
وبدلا من أن تتحرك رموزنا السياسية بما تُهدِأ به نفوسنا ، خرج علينا أحمد أبو الغيط وزير الخارجية بتصريحات زادت من غضبنا وغيظنا ...
تصريحات أكدت مقولة الرئيس الراحل أنور السادات : (الدبلوماسي هو الرجل الذي يستطيع أن يسكت بعدة لغات) ، فيا ليت أبا الغيط سكت بدلا من حرق دمنا ....
إن ما تفعله إسرائيل الآن خير دليل على أنها لم تجد بعد من يكسر لها يدها الباغية القذرة ، وربما لن تجد الآن أبدا . أما الأمر الآخر ، فهو أن السادة بالأعلى يعلمون ويحفظون جيدا أن اليهودي لا ولن يَصفَ لمصري أبدا ...
فكما أن مقتا أزليا يجمع بين الإنجليزي والأيرلندي ، وبين الأمريكي والهندي الأحمر ، وبين الصيني والياباني مهما تظاهرا بالعكس خلف ابتسامات تفضح ما تُخفيه الصدور . فإن نفس النوع من المقت والبغض يربط بين قلبي المصري واليهودي .... بل ربما أكبر وأفظع ....
فلستُ أدري إلى متى سيستمر الحال هكذا ؟؟؟؟ وهل يا تُرى لو عُكِست الآية ، حتى بدون أفلام أو غيره ، فهل كانت لتمارس إسرائيل الدبلوماسية في حلها لقضية كهذه ؟؟؟
الإجابة وبكل وضوحٍ أن لا وألف لا ....
ونحن في انتظار رد شرفنا وشرف شهدائنا ...
- 3 -
إن سياسة الإجرام هنا في مصر أصبحت باعثة للرعب بأقسى صوره في نفوس المواطنين . ففي فترة قصيرة تواترت علينا أسماء وأحداث إجرامية يشيب لذكرها الولدان ، بداية بما حدث في المنيا (بني مزار) ، وسفاح المعادي مرورا بالتوربيني وعصابته ، انتهاء بحوادث اختطاف الفتيات والسيدات و الاعتداء على أفراد جهاز الشرطة المصري !!
فما الذي حدث ؟؟؟ ولماذا تراجع دور الشرطة المصرية بهذا الشكل المخزي ؟؟؟
لعقود طويلة ، كانت مجرد رؤية (شاويش) طاعن في السن تبعث الرجفة والهلع في أفئدة اللصوص وقطاع الطرق . أما الآن ، فقد تناطح هؤلاء بأولئك ، فنسمع مرة تلو أخرى أن ضابطا أو جنديا من الشرطة قد (اشتبك في قتال) مع أحد الأوغاد ، ثم استطاع هذا الوغد إصابته أو قتله قبل أن يلوذ بالفرار ...
ربما كان هذا الاشتباك واردا جدا في عمل الشرطة ، وربما كانت الإصابة أو الاستشهاد شيئين محتملين في عمل كهذا. فرجال الشرطة وعندما اختاروا ذلك السبيل ، يعلمون ذلك . و مفترض أنهم يحملون أرواحهم دائما على أيديهم .
إلا أن تكرر المشهد بحذافيره ثلاث مرات متعاقبات ، فهذا هو الكثير . بل الكثير جدا ....
فحوادث الاختطاف والاغتصاب نمت بصورة غريبة ، ولو أن هذا المختطف علم أن ثمة حدٌ يُسمى حد الحرابة سيطبق عليه ، ما فكر ولو للحظة أن يقوم بفعلته القذرة هذه .. يقول الله تعالى : (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقَتّلوا أو يُصَلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفَوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
إلا أن أمثال هؤلاء يعقدون آمالا – دائما ما تتحقق – على المحامين البارعين الذين لا هم لهم سوى قلب الحقائق بما يتوافق مع مصالحهم ومصالح من يلجأ إليهم ..
وحتى إن لم يحدث هذا ، فالأحكام التي تصدر بشأنهم تساهم بصورة أو بأخرى في رفع مستواهم الإجرامي والخروج إلى المجتمع مرة أخرى فاسدين مفسدين ..
ألا يعتقد معي المعنيون بالأمر أنه وجب الآن النظر إلى تلك النقط بعين الاعتبار ، أم أن ما يحدث وما سيحدث لفتياتنا ونسائنا لا دخل لهم به !!!!
أما بالنسبة لرجال الشرطة فحتما سيغير ما حدث لزملائهم الشهداء والجرحى الكثير في داخلهم ، وسيجعلهم يلتفتون إلى الأهم في حياتهم ، وما من أجله ارتدوا زيهم المميز هذا ، بدلا من مجرد التعالي على الخلق – اللّي همّ إحنا يعني - والنظر إليهم وكأنهم حشرات وضيعة لا تستحق منهم حتى مجرد الاهتمام . وبدلا من ممارسة أفعال يندى لها الجبين مع مواطنين بسطاء أبرياء ساقهم حظهم العاثر إلى المثول أمام بعض المعقدين نفسيا (إياهم) ....
نهاية ....
حفظ الله فتياتنا ونسائنا من كل شر ، وأعمى عنهن أعين شياطين الإنس ، ورزقهن العفة والطهارة والحشمة.
ورحم شهدائنا من الأسرى و رجال الشرطة ، وألهم ذويهم الصبر وتحمل فراقهم .....







said:







said:


said:
said:

said:






من مصر