انتهى حديثه ...
وأرى أن بداية كهذه التي بدأ بها الكاتب ، هي خير بداية لي . فقد حاولتُ مراراً أن أروّض نفسي وأجبرها على الجلوس إلى قلمي ، ولو قليلا ، ولكنها كانت تأبى عليّ ذلك . حقاً إن الأفكار كثيرة ، والمعطيات جمّة ، ولكن التنفيذ عسير .
كان الأمر في اعتقادي في حاجة إلى معجزة . وكسيارة لم يتبقَ لصاحبها إلا أن يجثو على ركبتيه راجياً إياها أن تعمل ليلحق بالركب ، فتطيعه تارة وتتجاهله تارات ، كنتُ أنا وحواسي كلها !!
ثم حدثت المعجزة ...
حدثت ... لتنتعش حواسي كلها في سابقة غريبة قلّما حدثت . ولئن سألتم عن كنه معجزتي هذه ، لأقولن : إنها عِناقٌ .. أجل عناق ... طرفاه أنا والأستاذ محمود النعماني . فبالرغم من كمّ الإجهاد والتعب المسيطرين عليّ بعد رحلة مكوكية إلى مدينة المنصورة ، إلا أن شعورا جارفا بالتفاؤل والرضا غمرني لحظة أن رأيت هذا الرجل مرتديا جلبابه المصري البسيط ، ومبتسما ابتسامته الدافئة والتي تُوحي بثقة لا حدود لها ..
ولقد تضاعف هذا الشعور عندما عندما فرد الأستاذ النعماني – العمدة – ذراعيه باتساعهما ليحتويني معانقا ، فأترك له جسدي النحيل يربّت عليه في حنان بالغ ، وددت على إثره أن أظل طويلا في مقامي هذا ، فرائحة الأحباب – كما يقولون – شعرتُ بها تداعبني ، الأحباب جميعهم بلا استثناء .. و لولا آخرون وجب عليّ تحيتهم ، لظللت طويلا كما أنا ...
أما الزمان فكان مساء الخميس ، وأما المكان فكان – وكما أسلفت – المنصورة ، وأما السبب في تواجدي هناك ، فكان دعوة رقيقة من مادز (محمد مرعي) ، - والذي كان متواجدا وأحمد خيري ومحمد إبراهيم المهدي (الثاني) والأستاذ عادل نجم في تلك اللحظة – استضافني بها ليلة اللقاء ..
أمضينا جزءا من الليل في مكتب الأستاذ عادل ، ثم غادرنا إلى منزل (مادز) تاركين الأستاذ النعماني في ضيافة الأستاذ عادل ، فقد كان يتوق لسويعات من النوم يريح بها جسده المنهك ..
في الطريق ، كان شغلنا الشاغل هو .. ماالذي سنفعله غدا ؟؟ فبالرغم من أني غائب عن التدوين واللقاءات منذ سبعة شهور ، وبالرغم من أني قد استعددتُ لهذا اللقاء جيدا ، فإن معطياتٍ جديدة قالها الرفاق عن اللقاء من شأنها أن تلغي معظم هذه الاستعدادات ، سواء الخاصة بي أو بهم ... ولهذا ، فقد أمضينا الليل بطوله في سمرٍ وحديث لم نتطرق فيه إلى ما سنفعله غدا إلا في نقاط قليلة قبل أن يداهمنا النوم فنغطّ في سبات عميق تاركين الأمور معلقة إلى الغد ...
في الصباح ، وفي طريقنا إلى مكان اللقاء كان علينا التفكير بصوت عالٍ . فالمسئولية نراها جسيمة ، وعن نفسي ، فتكفيني تلك الغيبة الطويلة التي زادت من وطأتها عليّ . كان عليّ قبل أي شئ أن أقدم اعتذارا للجميع لتأخري وتقصيري ، إلا أن نظرة من مادز وتعقيبا من هيرو جعلاني أحتفظ باعتذاري هذا في أعماقي !!
أخيرا كان الاتفاق على أن يتولى الأستاذ النعماني إدارة اللقاء ، ولنجلس نحن (متربصين) بم ستسفر عنه الأحداث ، خصوصا بعد أن علمنا أن جماعة أخرى من المدونين من هنا وهناك سوف تحضر معنا بعد أن وجه لهم الأستاذ عادل نجم الدعوة بذلك .
بالطبع لن أنسى الخبر المباغت الذي فاجأنا به الأستاذ النعماني بأن السيدة الفاضلة نبيلة غنيم لن تتمكن من الحضور لمرضها الذي أكد عليها طبيبها بعدم التحرك نهائيا حتى لا يتفاقم. وقد سبّب لنا هذا النبأ الكثير من الحزن والقلق . أما الحزن فلأن قلبا مليئا بالخير والحب المنقرض لن يتواجد فيما بيننا ، والقلق على صاحبة هذا القلب مما ألمّ بها . أسأل الله تعالى لها أن تسترد عافيتها في أقرب وقت ، إنه وليّ ذلك والقادر عليه .. أضف إلى ذلك أن جينا - تلك الرائعة التي يُنسب الفضل إليها بعد الله سبحانه وتعالى في أن نلتقي على هذا النحو – لم تتمكن من الحضور أيضا . ثم المحمدان (حسن ، وأبا شوشة) ، واللذان اعتذرا عن عدم الحضور ... وهناك كريم الشيخ وعماد عبد الشافي ، وجميعهم من الأعمدة الأساسية في لقاءات كهذه ..
تراءت الوجوه أخيرا ....
وجلسنا إلى بعضنا ..
وتشرفت بمعرفة العديد من الوجوه الجديدة ...
ومؤكد أن عددا لا بأس به من الرفاق قد تحدث وأفاض فيما جرى هناك في فندق ميراج المطل على نهر النيل الخالد .. لكن ما يهمني هنا أنه وبالرغم من تخوفنا من أن ينفض الجمع بلا أي فائدة – و كاد هذا أن يحدث فعلا – إلا أن الأمور جاءت بصورة غير متوقعة - (للأفضل بالطبع) – وهذا من فضل الله أولا وأخيرا ...
أما بالنسبة لي ...
فإن عدة نقاط كانت تشغل حيزا كبيرا من تفكيري ..
أولهما هو الأستاذ عادل نجم . فقد كنتُ أطمع بحق في أن يقتصر الاجتماع على الجيرانيين فقط ، حتى أستوضح منه – وضعتُ احتمالا لإمكانية حدوث بعض من التوتر أثناء النقاش - عن كثير من أمور وملابسات . وكان عنواني في ذلك - وكما يقول الغربيون - (الانتقام طبق يجب أن يقدم باردا) . ولستُ أدري هل فطن الأستاذ عادل لذلك ... أعتقد أن هذا حدث ، وأعتقد أني اجتهدتُ في أن يحدث ، والدليل أنه وفي نهاية الاجتماع صافحني قائلا : (كان نفسي استفرد بيك يا محمد !!!) .
فأجبته : ( مش بقدر الرغبة المُلحَة لدي لأستفرد بك) ..
قال ضاحكا : ( ده أنا أخاف على كده بقى ....) .
وللأستاذ عادل أن يثق أنّ لقاءا منفردا سأجتهد في أن يجمع بيني وبينه في القريب بإذن الله .
أما ثانية هذه النقاط ، فكانت خاصة بالتدوين في حد ذاته . وقد سَألتُ في ذلك عند احتدام المناقشة في إنشاء الاتحاد الخاص بالمدونين . فكيف يمكننا أن نتلافى أولا ما وقع فيه الآخرون من أخطاء ؟؟
وكيف علينا أن نثبت لأنفسنا وللآخرين أنّ ما نفعله سينعكس بالإيجاب على مصر ؟ الوطن الحزين الذي يرزح تحت نِيَر الشرور كلها من الخارج ومن الداخل .
ومن قبل مصر ، بل ومن قبل أنفسنا ، هناك ديننا ... هناك الإسلام ... المستهدف دائما وأبدا بكل حقير ودنئ .
ولهذا ... فقد اتفقنا أن نعمل ، وأن نكتب ... فقد عرفنا الهدف ، وأوجدنا الوسيلة ، ولم يتبق إلا أن نسير في سبيل تفعيل الإثنين . آملين من الله أن يوفقنا إلى ذلك ، وأن يتخذ حديثنا موقعه من الفعل الحقيقي لا أن يظل في خانة القول والآمال وفقط ..
أما الثالثة والأخيرة ..
فلقد ابتعدتُ حيناً عن التدوين . وإن كان لدي ما يبرر ذلك من الناحية الصحية و المزاجية ، فإن تطورات عديدة لحقت بالتدوين وبالكتابة بصفة عامة جعلتني أفضل الانطواء والانكماش . فالكتابة بالنسبة لي متعة ، حرية ، وسيلة لإفراغ الانفعالات والمشاعر على الورق ، وفي قلوب وعقول القراء ..
ولكنّ المشكلة .. هي أني أعجز تماما عن الكتابة في مناخ مضطرب أو متوتر ..
وصدقوني لو أخبرتكم بأن هذا ضد طبيعتي . تلك الطبيعة الشرسة العنيفة الغير مستسلمة والمتهورة !!
وهذا التناقض الظاهر ، يؤلمني ويمزقني ويشعل أحزاني بشدة ... ولكنه أيضا يمثل دافعا لي لأن أحافظ على الجذوة المتقدة بداخلي والتي تصارع من أجل البقاء أمام طوفان من الضغوط والإحباطات ..
نهاية ، وقبل أن أختم . فإن نداءا خاصا إلى الأخت العزيزة (أروى طارق) أتمنى أن يصلها ، بأن تغفر لي غيبتي هذه . فهي ودوناً عن كثيرين ما انفكت ترسل لي باللين تارة وبالوعيد تارة أخرى تحثني على العودة .. وجميل أنها لا تعرف لي عنوانا ، وإلا لكنتُ فرسية لقاتل محترف من زيمبابوي - حتما - سيرسله إليّ غضبها مني . فإليها وإلى الجميع – وبالعند في مادز وهيرو – أقدم اعتذاري لطول غيبتي ولتقصيري فيما قد أسند إلي منذ آخر اجتماع حضرته في نهاية شهر مارس المنصرم ...
شكرا للجميع ..
وعذرا للإطالة ..
وإلى لقاء قريب بإذن الله ...







said:


said:





said:


من مصر