استيقظت مبكرا اليوم – كعادتي منذ أن التحقت بهذا العمل الشاق بإحدى شركات القطاع الخاص - ، وكعادتي أيضا جلست على طرف فراشي واضعا وجهي بين يدي ، وشرعت أتمتم بدعاء خافت أشكر به ربي على أن رد علي روحي وأنا مسلم موحد به.
قبل أن أقوم من مقامي ، تسللت إلى إذني أصوات مرحة تصدر من الخارج. ولأن غرفتي تطل على الشارع مباشرة ، فقد أيقنت أن هذه الأصوات للتلاميذ الذين يتوجهون إلى مدارسهم في أول يوم دراسي لهم..
اقتربت من نافذتي ، فتحتها ، طالعتني أجسادهم الدقيقة ، ووجوههم البريئة التي تحمل تلك الابتسامة الآسرة..
ظللت انظر إليهم .... انظر ..... انظر
(محمد .... ميدو .....)
(قوم يالله يا حبيبي ، قوم بقى . الساعة يقت ستة...)
(حاضر يا ماما ...) هكذا قلت ، وأنا أنهض من على فراشي الصغير . فأجد أمي الحبيبة بالخارج تتحرك بكل نشاط وخفة كأنها نحلة كل ما تتقنه أن تعمل وأن تعمل فقط...
رأتني ، ابتسمت هي ، و ابتسمت أنا ، عانقتني ، ثم أشارت بوجهها ناحية دورة المياه قائلة : (المية دافية وزي الفل ، ادخل خد لك دش)
أومأت لها إيجابا ، وأسرعت ناحية الحمام لأسمعها تقول من خلفي ( واستحما بضمير شوية . أنا عارفاك)...
انتهيت من حمامي ، وخرجت ، لأجد أخي الذي يصغرني بعام واحد قد استيقظ هو الآخر ، ولكنه قرر في عناد لست أملك مثله – للأسف- أنه لن يستحم....
كان هذا أول يوم لي في المدرسة ، وكنا حينها في عام 1983ميلادية ، وكنت حينها أحمل فوق ظهري ستة من الأعوام . وعلى النقيض من الكثيرين ، لم أكن متذمرا ، ولا خائفا.. بل سعيدا كل السعادة..
خرجت ومعي أخي أحمد إلى حيث ينتظرني أبي في سيارته ، فلم تكن المدرسة قريبة منا ، ولم نكن أصلا داخل القطر المصري ، بل كنا هناك .... في طيبة الطيبة ، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.....
قبل أن أركب إلى جوار أبي ، حانت مني التفاتة نحو إحدى النوافذ ، لأرى وراءها رجلا وقورا مهيبا ، ينظر إلي مبتسما فبادلته الابتسام ليرفع يده نحوي بالتحية مودعا ، قبل أن يتوارى خلف ستائر نافذته.....
(أنت بتشاور لمين ؟؟؟)
بوغت بالسؤال ... فنظرت لأخي أحمد الذي يشاركني غرفة نومي وقد اعتدل على سريره غاضبا ، وأجبته : (قوم كده شوف الولد العسول ده وهو رابح المدرسة ، ده كأنه رايح يتفسح)..
نظر إلي نظرة حجب عني معناها وقال ( تصدق بالله ... أنت مفيش عندك دم... اقفل يا عم الشباك ده وسيبني أتخمد شوية) .. قالها ثم أعطاني ظهره واضعا الوسادة على وجهه .... ولكنه لم يكد يستقر في وضعه هذا حتى استدار إلي مرة أخرى قائلا بلهجة شممت منها رائحة غريبة : ( واعتقد إن سيادتك أتأخرت)....
نظرت إلى المنبه لأجدني فعلا قد تأخرت عن عملي ، فقفزت راكضا لأغادر الغرفة – بعد أن أغلقت النافذة بالطبع – فأجد أمي – حفظها الله وأطال في عمرها – واقفة في المطبخ تجهز الفطور لي ، ألقيت السلام عليها فأجابتني بخير منه ، ثم أردفت : ( مرضتش أني أقلقك ، أصلك نمت متأخر أمبارح) ...
منحتها ابتسامة ، فردتها لي أيضا ثم سألتني: هتستحما ؟؟؟؟ أجبتها أن نعم ، ثم أردفت أنا بسرعة : وبضمير....
ضحكنا سوية ، ضحكت وأنا اختلس نظرة نحو النتيجة المعلقة أمامي .... والتي كانت تشير بأننا أصبحنا في عام 2006 ميلادية.....
وبعد أن خرجت من منزلنا متوجها لعملي ، ألحت علي الذكريات مرة أخرى فتركتها تنثال على عقلي ، بعد أن أخذت نفسا عميقا من هواء محبو بتي ومشوقتي الأولى ... مصر ، وسرت مسرعا ...حتى ابتلعني الزحام....







said:




ذات يوم دقّ الوطن جرس الذاكرة.. وحين فتحتُ له الباب لم أجد سوى ياسمينة!!
ذكريات مُصاغة بقلم جميل..