هي

أوت إلى فراشها مبكرا كعادتها بعد أن صلت العشاء وصلت سننها . وما أن استقر جسدها الضئيل على السرير حتى شخص بصرها إلى السماء وأخذت تمتم بدعاء خافت ترقرق له دمعها يسيرا خلف جفنيها قبل أن تغير من وضعها لتستقر على جنبها الأيمن وتتحسس بيسراها الفراغ الذي يجاورها ثم تغمغم : (لكم افتقدك يا حبيبي). قالتها ليسيل الدمع مدرارا هذه المرة . وعبثا يحاول سلطان النوم أن يغلق جفونها . فالعينان منتفختان من كثرة البكاء ، والجسد يرتجف خوفا من المجهول . إلا أنه – أي النوم – ما تعود أن يعصيه أحد فكثّف من قوته وأرسل برسول إلى قلبها الذي – وعلى الرغم من كل شئ – لا يزال مطمئنا بأنس الله تعالى وقربه .  فيقذفه بحرملته الداكنة الدافئة  ، فيزيد هدوءه وتتباطأ دقاته ، لتتثاءب العينان ويرتخي الجفنان أخيرا ، وتستقر هي على جانبها الأيمن منتظرة وعد الله...

 

(نجحنا) ،  (اللهم لك الحمد ولك الشكر)..

أخذ بيد أخيه التوأم وخرّا ساجدين شكرا لله تعالى لتخلط دموعهما بتراب الأرض . فهما الآن قد أنهيا دراستهما الثانوية وبتفوق كما وعدا أمهما التي ما بخلت عليهما بشئ على الإطلاق بعد وفاة والدهما وهم بعدُ صغيرين لا يعيا من الدنيا شيئا.

انطلقا راكضين وضحكاتهما تملأ الدنيا ، وتحيتهما لكل من يقابلهما تسبقهما . مرا في طريق عودتهما إلى المنزل بدكان عم (مروان) البقال ، فناداهما فما التفتا إليه ، فصورة أمهما تتراءى أمامهما . بصبرها وحنانها وتضحيتها لأجلهما..

فما كان من الرجل إلا أن ابتسم قائلا : (اللهم بارك لهما في أمهما ، وبارك لأمهما فيهما) . قال ذلك ثم هتف بأعلى صوته : (مبارك عليكما يا زينة شباب الحارة)..

وصلا إلى المنزل ليجدا أمهما واقفة في الشرفة  تنتظرهما وقد أكل القلق جزءا كبيرا من وجهها ، ولكنه سرعان ما تلاشى تماما عندما لمحت ولديها وقد أشرق وجهاهما بفرحة النجاح ، فانطلقت لتسقبلهما راكضة هي الأخرى ، فقابلتهم على درج السلم لتحتضنهما وتتهاوى الأجساد الثلاثة منهنهة كالأطفال....

 

(بل مبارك لك أنت يا أمي) هكذا قال ولدها أحمد ردا عليها عندما باركت لهم نجاحهم . ثم أردف : (فلولا أنت بعد الله سبحانه وتعالى ، ما هكذا صرنا)...

ضمته هو وشقيقه أكثر إلى صدرها ورفعت عيناها إلى السماء – كما تعودت دائما – وقالت : (لك الحمد ولك الشكر يارب)..

 

ثم تمر الأيام سريعة ، ويلتحق الولدان بالجامعة . وحتى هناك كانا معا في كلية واحدة ، بل وفي قسم واحد . وتتفانا الأم في تضحيتها ، فالبر غم من تقدمها في السن ومرضها المفاجئ الذي ألمّ بها ، إلا أنها ضاعفت من جهدها ، وواصلت ليلها بنارها لتوفر لهما ما يريدان وزيادة . كانت بالنسبة لهما الأم والأب والأخ والصديق والحبيب.... كانت كل شئ في حياتهما..

ازداد المرض عليها فألزمها الفراش فترة . ذات يوم وبينما كان صغيريها –  كما تحب أن تنادياهما دائما – في الجامعة ، أتاها زوجها . رأته أمامها ... فركت عينيها .... لم تكن نائمة.. هزت رأسها فربما كانت تحلم أو تتوهم. إلا أنه بقي هناك كما هو..

قامت من على مقعدها تحثّ الخُطى نحوه . نسيت مرضها وعلتها ، أرادت أن ترتمي في حضنه لتشكو له ما فعله الزمان بها ...

أرادت أن تبكي بين يديه ليطيّب خاطرها كما كان يفعل دائما .

إلا أنه أشار إليها أن قفي...

ليس الآن....

ربما فيما بعد...

فعل ذلك ثم استدار ليختفي فجأة ، كما ظهر فجأة وصوته يدوي في أذنيها: (أنت رائعة . ولقد افتقدتك كثيرا . اعتني بالولدين)...

ثم ساد الهدوء تماما بعد ذلك.....

 

وتدور عجلة الزمن ، ويتكرر مشهد النجاح مرة أخرى بحذافيره . ليس ثمة فرق إلا أن زملاء ولديها قد أتوا معهما هذه المرة ليفرحوا بتخرجهم مع تلك الأم النادرة...

وكم كانت فرحتها طاغية بأولادها وزملائهم ، أصرت رغم تعبها البادي عليها أن تخرج إلى دكان عم (مروان) لتبتاع زجاجة (الشربات) بنفسها.

في الطريق استرجعت ذكرياتها بسرعة الصاروخ ... موت زوجها ، ولديها الصغيرين ، طلب الكثيرين الزواج منها ، رفضها القاطع ، نجاح صغيريها وتخرجهما أخيرا...

يااااااااه . ما أسرعك أيتها الأيام...

عادت إلى المنزل ، وقبل أن تدخل إلى المطبخ لتحضير الشربات وقفت لتملأ عينيها بولديها اللذين أصبحا رجلين الآن .. ابتسمت في حنان جارف ، لم تستطع أن تمنع تدفق عبراتها فأشاحت بوجهها حتى لا يراها الأولاد وزملائهم . تمنت لو أن زوجها وحبيبها هنا الآن ليشاركها فرحتها هذه..

فتحت الزجاجة .. شعرت بشئ ما خلفها ... استدارت...

وجدته واقفا ... هو .... بشحمه ولحمه .....

(الآن أيتها الحبيبة)..

انطلقت نحوه مسرعة فتلقفها بيده ... دفنت رأسها في صدره ...

(أنت لن تتركني هذه المرة . أليس كذلك؟؟؟)

انتفض الجميع عندما سمعوا صوت تحطم زجاجة (الشربات) ، واندفعوا يسبقهم أحمد ومحمد – ولديها – ليستوضحوا ما حدث...

وما حدث كان مريعا....

 

ماتت الأم ...

ماتت الشهيدة....

ماتت المضحية.....

ماتت وهي تجهز (شربات) نجاح وتخرج صغيريها...

ماتت بعد أن اطمأنت عليهما ، لتلحق بحبيبها ونصفها الآخر بعد أن تركها وحدها تصارع الزمن والبشر والظروف والشر ، فتنتصر عليهم جميعا بمعية الله تعالى سندها ونصيرها...

ماتت لترتاح أخيرا .... ولتلقى ربها وهو عنها راض.....

 

 

 

 

 



أضف تعليقا

اضيف في 27 اكتوبر, 2006 05:49 ص , من قبل samsoma86
من مصر said:

عظيمة هى تلك الام..
لكم من ام بذلت الكثير وماتت مثلها
دون ان يخلد التاريخ ذكراها ..
يكفينا ان ضربت المثل الاكبر فى الاخلاص والوفاء والتفانى..
تذكرنى هذه القصه بحكايات اولاد حارتنا للكاتب الكبير نجيب محفوظ.
جميله.. وفقك الله.

اضيف في 27 اكتوبر, 2006 06:25 ص , من قبل magic
من مصر said:

قصه مؤثره جدا,
و مثال رائع للام و للحب و للاخلاص,
اسلوبك رائع,
في انتظار المزيد.

اضيف في 20 نوفمبر, 2006 03:27 م , من قبل rania
من مصر said:

بالطبع قصه مؤثرة بلا نقاش وعند قراءتى لكل سطر اشعر وكاننى ارى مئات الامهات المصرية مع اختلاف الطبقات الاجتماعيه او مستوى التعليم فى صورة مجسددة امامى بنفس التضحيه ونفس انكار الذات ونفس الوفاء وبالطبع قد اضاف اسلوبك وطريقة عرضك للصور المؤثرة الكثير لتلك القصة التى ارى انها قصه واقعيه وليست من نسج الخيال. ووفقك الله الى المزيد باذن الله.

اضيف في 25 نوفمبر, 2006 04:44 م , من قبل monykids
من مصر said:

إنه كلام أفضلو أفضل عن الام فلقد قال الشاعر :أمي نداء محبة بل إن كل الحب أم . أمي عطاء زاخر في فيضه بحر خضم.

فهنيئا لك علي هذه القصة المؤثرة.



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
شاطئ الغرام