(1)
(والآن ، ما رأيك ؟) سألتُه مسددا نظراتي إليه ... فأطرق برأسه حينا ، ثم رفعها ..... ظننته سيتحدث ، ويرد على تساؤلي ..... إلا أنه ما لبث وأن أطلق تنهيدة حارة ، أعقبها بضم ساعديه على صدره ..... وأطرق ساكنا مرة أخرى.....
قبل أن أعاود السؤال مرة أخرى ، ابتدرني :
لستُ أدري ....... حقا لستُ أدري!!!!
قالها ، ثم رفع إلي عينيه ..... (وأنت .. كيف ترى ذلك ؟)
أجبته قائلا : لا أحد يستطيع البتّ فيه سواك .. ولكني اعتقد أن رسالة ما قد وجهت إليك في سياق ما أخبرتك به الآن.
أومأ برأسه مؤكدا حديثي وقال : ولكنها رسالة مفاجأة . فما كنت أتوقع ذلك أبدا ...... أو ........
سكت مليا ، وقام من مقامه ، وأخذ يسير في أنحاء الغرفة التي تضمنا أرجاءها قبل أن يردف :
أو أنني كنت متوقعا ، ولكن ليس بهذه السرعة.
(أرى أنها فرصة عظيمة) .. هكذا قلت ، ثم تابعت : فأنا أجدها رائعة بحق تلك الفتاة ....
ثم ..... ثم .... لماذا تقول بأن الأمر حدث بتلك السرعة ؟؟؟
ألم تخبرني بنفسك بأن ثمة شئ ما قد بدأ بالتحرك داخلك تجاهها ، حتى قبل أن أخبرك الآن بما عرفته . بالنسبة لي ، فواثق تمام الثقة أن ذلك الشئ هو ما يطلقون عليه الحب....
أتذكر هذه الكلمة ...؟ أم أنك نسيتها من يوم أن وأدتها بداخلك منذ فترة ليست بالقليلة...
أليس هذا صحيحا ؟؟؟؟
ولماذا تفعل هذا بنفسك ؟؟ لم أتلق منه جوابا ، فصرخت فيه محتدا :
لماذا لا تجاوبني ؟؟؟؟
التفتَ إلي – وكان قد أولاني ظهره – فلمحتُ في عينيه بريقا غريبا يتراءى لي خلف أسدلة عينيه ، فنهرت نفسي لما بدر مني من صراخ , وتقدمت إليه وسألته مواسيا معتذرا : ألهذه الدرجة ؟؟؟
أخذ نفسا عميقا ، وحبسه في صدره قليلا قبل أن يخرجه في زفرة قوية هي العاشرة منذ بداية حديثنا ، وقال :
إنما هو الخوف من المجهول .... من القادم.... ، إن مجرد التفكير في أني قد أفقدها يصيبني بالهلع ... فما عاد قلبي بقادر على تحمل المزيد.
ولكن ....
ولكنها ... لم تخف .... ربما أشارت إلى ما يعتمل في قلبها من بعيد دون تصريح أو تلميح ، ولكنها كانت معتمدة على أن يصل إلي مضمونه بطريقة أو بأخرى.
قال ما قاله ثم سكت . ودام صمته طويلا هذه المرة .. فاحترمت صمته لما أعلم بما يعتمل بداخله الآن.......
فجأة .... ابتسم .....
ابتسم ابتسامة واسعة نادرا ما أراها على وجهه ، وقال : أريدك يا صديقي أن تخبرها بأني كنت قد أوصدت أبواب قلبي ، حبسته عن كل شئ ، فلا يلج إليه شعور ، ولا تخرج منه عاطفة .
وبقي هكذا .. وحيدا في عزلته ، حتى جاءت هي لتمد له يدها مخترقة جميع الحواجز والأبواب المغلقة ، فيقوم من رقدته ملبيا نداءها ، متمردا على عزلته ...
والغريب في الأمر ، أني ما عارضته . بل وافقته دون قيد أو شرط ، وتركت له العنان ليخفق مرة أخرى بكل قوته هاتفا باسمها....
جاء الدور علي أنا الآن لأتسمر في مكاني لا أتفوه بكلمة واحدة ..... فلاحظ هو هذا فابتسم مرة أخرى وهو يربّت على كتفي قائلا : ماذا دهاك يا صديقي؟؟
أجبته وقد علتني دهشة عارمة : وتقول إنك لم تكن تتوقع ... وإنك قد نسيت ما هو الحب !!!
اذهب إليها أنت .... فما أنا بقادر على أنقل ما تقوله الآن ، فهو أكبر حجة على أنك لست تحب فقط .... بل ... إنك عاشق حتى النخاع.
(2)
وجدها أخيرا .... واقفة تتطلع إلى الشمس وهي تسير في رحلتها متجهة إلى مرقدها ...
اقترب منها ....
ناداها ..... فالتفتت إليه ....
ابتسم ...... وابتسمت..
(لماذا تأخرت هذه المرة ؟) سألته وهي تحول بصرها عنه لتتابع به شمسها الراحلة... فأجاب : هذا لأنك غيرت مكانك ... فلم أجدك في مكاننا السابق.
هزت كتفيها مغمغمة : هنا أفضل . ثم إن مكاننا السابق هذا له ذكريات سيئة عندي.
أتذكر ؟؟؟
أومأ برأسه مجيبا : ومن عساه ينسى ما حدث ... فقد كدنا نخسر كل شئ .... وإلى الأبد....
قالت بصوت خفيض يشوبه حياء جم : ولكنك ظللت متشبثا بي حتى آخر رمق.
التفت إليها فإذا وجهها قد تورد بحمرة الخجل .
اقترب منها أكثر ....
تلاقت أعينهما....
انساب بينهما حديث صامت لا تفهمه إلا العيون ، حديث ربما كان أبلغ من ألف حديث وحديث....
أحبك .....
هكذا قال فجأة .... ليهتز كيانها كله من قمة رأسها وحتى أخمص قدميها...
كم هي رائعة هذه الكلمة عندما تخرج من قلب إلى قلب...
ارتجفت شفتاها .... همت بشئ تقوله .....
لاحظ هو ذلك .... فوضع سبابته على شفتيها وقال بصوت حالم : يكفيني أن أراها في عينيك تسطع كألف شمس ..
دعيها في قلبك الآن أيتها الحبيبة ... دعيها تكبر وتنمو .... حتى إذا ما قلتيها يوما ، تركتُ الدنيا بما فيها لأجلها ولأجلك ......
(أنت رائع) هكذا هتفت .. فرد عليها : روعتي هذه استمدتها منك....
قالت : لم تعرفني جيدا بعد .... أجاب : بل فعلت.
- أنا خائفة
- كذلك أنا
نمت نظرة تساؤل في عينيها . فأردف : دعينا يا حبيبتي نقسم خوفنا بيننا ، ونستعين بالله تعالى عليه . دعي الأيام تصنع ما تشاء ، فالله يرعانا ولن ينسانا.
بسطت له يدها فاحتضنها ....
في لحظة واحدة تمنى كلاهما لو ارتمى في حضن رفيقه .
يا لهذه الحياة القاسية .... لكم قاسيا وتكبدا فيها الكثير ، قبل أن يلتقيا بتدبير قدري غريب ...
تدبير ، يرجوان أن يستمر في دعمهما ومساندتهما حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا....
(اعتقد أن حان الرحيل) قالتها وانتظرت أن يرد ... ولكن الإجابة لم تكن سوى الصمت المطبق ...
فتحت عيناها لتجد نفسها وحيدة فانزعجت .. همت بالنداء عليه ..... ولكن .... مهلا ....
إنها مازالت تشعر بملمس يده في يدها ..
عند هذه النقطة شملها شعور غريب بالراحة والأمان ، وتلاشى الانزعاج والقلق تماما من نفسها ..
كيف نسيت ؟؟!!
كيف نسيت أنه معها دائما ؟؟
فهو ... هي ...
أتى من داخلها ... لأجلها ....
ضمت يدها بقوة ، وكأنها تخشى أن يتفلت ملمس يده الدافئ من بينها . ثم رفعت برأسها إلى السماء ، وتمتمت .... يااااارب.
وسارت .... حتى تلاشت في الأفق......







said:


من مصر